ابراهيم بن عمر البقاعي
539
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما بدأ بالتقوى وهي خوف اللّه الحامل على البعد عن المحرمات ، ذكر أساسها الذي لا تقبل إلا به فقال : وَآمَنُوا ولما ذكر الإقرار باللسان ، ذكر مصداقه فقال : وَعَمِلُوا أي بما أداهم إليه اجتهادهم بالعلم لا اتفاقا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا أي فاجتنبوا ما جدد عليهم تحريمه وَآمَنُوا أي بأنه من عند اللّه ، وأن اللّه له أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، وهكذا كلما تكرر تحريم شيء كانوا يلابسونه . ولما كان قد نفى الجناح أصلا ورأسا ، شرط الإحسان فقال : ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا أي لازموا التقوى إلى أن أوصلتهم إلى مقام المراقبة ، وهي الغنى عن رؤية غير اللّه ، فأفهم ذلك أن من لم يبلغ رتبة الإحسان لا يمتنع أن يكون عليه جناح مع التقوى والإيمان ، يكفر عنه بالبلايا والمصائب حتى ينال ما قدر له مما لم يبلغه عمله من درجات الجنان ، ومما يدل على نفاسة التقوى وعزتها أنه سبحانه لما شرطها في هذا العموم ، حث عليها عند ذكر المأكل بالخصوص - كما مضى فقال « واتقوا اللّه الذي أنتم به مؤمنون » ، وهذا في غاية الحث على التورع في المأكل والمشرب وإشارة إلى أنه لا يوصل إلى مقام الإحسان إلا به - واللّه الموفق ؛ ولما كان التقدير : فإن اللّه يحب المتقين المؤمنين ، عطف عليه قوله : وَاللَّهُ أي الذي له صفات الكمال يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . ولما ذكر ما حرم من الطعام في كل حال ، وكان الصيد ممن حرم في بعض الأوقات ، وكان من أمثل مطعوماتهم ، وكان قد ذكر لهم بعض أحكامه عقب قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ و أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ أخذ هنا في ذكر شيء من أحكامه ، وابتدأها - لأنهم خافوا على من مات منهم على شرب الخمر قبل تحريمها بأنه يبتليهم لتمييز الورع منهم من غيره - بالصيد في الحال التي حرمه عليهم فيها كما ابتلى إسرائيل في السبت ، فكان ذلك سببا لجعلهم قردة ، ومنّ سبحانه على الصحابة من هذه الأمة بالعصمة عند بلواهم بيانا لفضلهم على من سواهم ، فقال تعالى مناديا لهم بما يكفّهم ذكره عن المخالفة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي أوقعوا الإيمان ولو على أدنى وجوهه ، فعم بذلك العالي والداني لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ أي يعاملكم معاملة المختبر في قبولكم تحريم الخمر وغيره المحيط بكل شيء قدرة وعلما ، وذكر الاسم الأعظم إشارة بالتذكير بما له من الجلال إلى أن له أن يفعل ما يشاء ، وأشار إلى تحقير البلوى تسكينا للنفوس بقوله : بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ أي الصيد في البر في الإحرام ، وهو ملتفت إلى قوله : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ [ المائدة : 60 ] وشارح لما ذكر أول السورة في قوله غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ، وما ذكر بعد المحرمات من قوله : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [ المائدة : 4 ] ، ووصف المبتلى به بوصف هو من أعلام النبوة فقال : تَنالُهُ